الأحد، 11 أبريل، 2010

كيف نحاسب انفسنا؟

هل تعرف كم ذنبا اقترفت؟ قال رياح القيسي: "لي نيف وأربعون ذنبًا، قد استغفرت لكل ذنب مائة ألف مرة"، فالتفكر في الذنوب الماضية، من أكبر المحركات للهمم، واستدراك ما فات.

فالخطر كل الخطر أن نرتكب الذنب بعد الذنب فتتبلد أنفسنا، ويحدثُ إلفٌ لارتكاب الذنوب والآثام، فلا نحصيها عـدًّا بسبب غفلتنا، ولعل السبب الرئيسي لإلف الذنب هو إلف المنكرات، لكثرة اقترافها، فيألفها القلب فما يعودُ ينكرُها، وما يعود يَحُسُّ بوخز الضمير، ولا ألم الذنب لأن مراكز الإحساس بالذنب قد أصابها العَطب، ولعل هذا هو ما كان يخيف أبا الحسن الزيات رحمه الله، فكان يقول: "والله لا أبالي بكثرة المنكرات والبدع، وإنما أخاف من تأنيس القلب بها؛ لأن الأشياء إذا توالت مباشرتها أنست بها النفوس، وإذا أنست النفوس بشيء قل أن تتأثر به".

ولذلك فالمؤمن الحق له وقفات مع كل ذنب، بل هو يعرف كم مرة أذنب، ويقدِّم لذنبه هذا توبةً واستغفارًا، وأوبةً ورجوعًا، ولا ينسيه طول الليالي مرارة هذا الذنب، فيعلن الرجوع والتوبة والاستغفار لذنبه من جديد.

قال كهمس بن الحسن: (يا أبا سلمة.. أذنبت ذنبًا فأنا أبكي عليه منـذ أربعين سنةً، قال: قلت: وما هو يا أبا عبد الله؟ قال: زارني أخ لي، فاشـتريت له سمـكًا بدانق، فلما أكل قمت إلى حائط جار لنا، فأخذت منه قطعة من طين فمسح بها يده، فأنا أبكي عليه منذ أربعين سنةً).

أولئك كانوا أصحاب فِطَرٍ سليمة، وقلوب يقظة، لا يعرف الران إلى قلوبهم سبيلاً، ولم يفسد شيء من حب الدنيا أجهزة الإحساس في قلوبهم، وما يستطيع أحد أن يتذكر ذنبًا مضى عليه أربعون عامًا إلا رجل قلَّت ذنوبه، فاستطاع أن يعدها ويحصيها.

تأمل هذا الموقف الذي يرويه ابن عون، أن محمد بن سيرين لما ركبه الدين اغتم لذلك، فقال: إني لأعرف هذا الغم بذنب أصبته منذ أربعين سنةً، قلت لرجل: يا مفلس، فحدثت به أبا سليمان الدارني، فقال: قلت ذنوبهم، فعرفوا من أين يؤتون، وكثرت ذنوبي وذنوبك، فلا ندري من أين نؤتى.

هكذا لم تنسه طول الليالي طيلة أربعين سنةً هذا الذنب الذي هو في أعيننا هين ومن الصغائر، ولكنهم ليقظتهم يعلمونه عظيمًا ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15)﴾ (النور).

لأنهم نظروا إلى الذنب بمنظار غير منظارنا، منظار التابعي بلال بن سعد الذي يقول: (لا تنظر إلى صغر الخطيئة ولكن انظر إلى من عصيت).

يقول الإمام ابن القيم: (فإن العبد لا يزال يرتكب الذنب حتى يهون عليه ويصغر في قلبه، وذلك علامة الهلاك؛ فإن الذنب كلما صغر في عين العبد عظم عند الله).

قال رجل لعطاء السليمي يومًا: (ما هذا الذي تصنع بنفسك؟- لما رأى من شـدة بكائه- قتلت نفسًا؟ أم أي شيء صنعت؟ قال: إني اصطدت حمامًا لجار لنا منذ أربعين سنةً، قال: ثم إني تصدقت بثمنه، كأنه لم يعرف صاحبه).

وهذا أبو سليمان الداراني يقول: (إني لأمرض فأعرف الذنب الذي أمرض به).
وخرج عمر بن عبد العزيز يومًا إلى المسجد فخطر بيده خطرة، ثم أمسك وبكى، قالوا: ما أبكاك يا أمير المؤمنين؟ قال: (خطرت بيدي خطرة فخفت أن يغلها الله في الآخرة).

فيا الله.. كم من ذنوب لا تُعد ولا تُحصى نرتكبها وننسى، وما ذاك إلا لضعف إيماننا، ولكن المؤمن الحق ينظر للذنب كما يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (إن المؤمن يرى ذنوبه كأنها في أصل جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه فقال له هكذا، فطار).. إنها خلاصة تجربة تربوية انسابت عَبر سيرة مربٍّ مصلح، لتغذي قلوبًا يلذعها الألم، فورثها من تربى على يديهم، وربّوا من تبعهم على ذلك، يقول أحمد بن إسماعيل: (احذروا الصغائر، فإن النقط الصغار آثار في الثوب النقي).

أخي الداعية.. احذر على نفسك، فيسير الذنب يقتل، قال ابن الجوزي: (لا تحتقر يسير الذنب، فإن العشب الضعيف يفتل منه الحبل القوي، فيختنق به الجمل السمين).

فكم من أماكن ارتكبنا فيها ذنوبًا وآثامًا، نمر عليها فلا نعتبر ولا تتحرك ضمائرنا، ولكن جيل التابعين يربِّينا على ألا ننسى، وألا تأخذنا الغفلة، قال عبد الواحد بن زيد: (انطلقت أنا وعتبة الغلام في حاجة؛ حتى إذا كنا برحبة القصابين جعلت أنظر إلى عتبة يعرق عرقًا شديدًا، حتى رشح، وكنا في يوم شاتٍّ شديد البرد، فقلت: عتبة.. ترشح عرقًا في مثل هذا اليوم الشديد البرد؟ فسكت ولم يخبرني، فقلت: ما الذي بيني وبينك؟ ولم أزل به حتى قال: ذكرت ذنبًا أذنبته في هذا الموضع).

ونحن والله نرتكب الذنب تلو الذنب فنأكل ونشرب، وننام ونصحو، ونلهو ونفرح ونلعب، وننسى الذنب، وسلفنا الصالح من جيل التابعين له رأي آخر، يقول الحسن البصري: (إن المؤمن ليذنب الذنب، فما يزال به كئيبًا حتى يدخل الجنة).

إن قومًا هذا حالهم، لهم جديرون أن يكونوا والله أعبد الناس، وأراهم هم الذين يشير إليهم سعيد بن جبير بإصبعه، ويقصدهم قصدًا، قيل له: (مَن أعبد الناس؟ قال: رجل اجترح ذنبًا، فكلما ذكر ذنبه احتقر عمله).

ولما كان جيل التابعين يعرفون ذنوبهم ويعدونها عدًّا، فقد كانوا يخشون على حسناتهم عدم القبول بسبب ذنوبهم المعدودة، والتي يعرفونها جيدًا، يقول عنهم الحسن البصري: (لقيت أقوامًا كانوا فيما أحل الله لهم، أزهد منكم فيما حرَّم الله عليكم، ولقد لقيت أقوامًا كانوا من حسناتهم أشفق ألا تقبل منهم من سيئاتكم).

أخي الداعية.. أنت الذي بيدك أن تنجو أو تهلك، كلما عظم الذنب في قلبك صغر عند الله.. وكلما هان عليك عظم عند الله، فَعَظِّمْ الله في قلبك يَعْظُمْ عليك ذنبك لتثبت بذلك أنك مؤمن، وإلا كتبت اسمك بنفسك في سجل المنافقين، يقول الشاعر:
نــبِّه فــؤادك من نومــه *** فإن الموفــــق من ينتــبـه
وإن كـنت لـم أنتـبه بالـذي *** وعـظـت بـه فانـتـبه أنت به

إلهي! أنا الذي كلما طال عمري زادت ذنوبي، أنا الذي كلما هممت بترك خطيئة عرضت لي أخرى.

إلهي.. من عذابك الآن من يستنقذني؟! وبحبل مَنْ أعتصم إن قطعت حبلك عني؟!

ويلي! كلما طال عمري كثرت المعاصي!! فإلى متى أتوب؟ والى متى أعود؟ أما آن لي أن أستحي من ربي؟!.

اللهم إني أعوذ بك من أن تجعل حظي في لفظي، وأعوذ بك من أن أكون للخير وصافًا، ولا أكون به موصوفًا، وأعوذ بك من أن أصف وأصفّي ويشرب غيري، وأعوذ بك يا إلهي أن أكون كالشمعة تضيء الطريق لغيرها وتحرق نفسها.. أعوذ بك يا إلهي أن أكون كالإبرة تكسي غيرها وهي عريانة، أو أكون كالمنخل يعطي لغيره الدقيق ويبقي لنفسه النخالة.

الثلاثاء، 23 مارس، 2010

يامسلمون الأقصى فى خطر

الأقصي في خطر..إذا نظرنا لحال المسجد الأقصي الآن وحال القدس والمفترض أنهما في حماية الأمة الاسلامية أمة المليار في حمايتنا نحن ربع سكان العالم في آخر أحصائية نجد مايدمي القلب ويكرب النفس ثالث الحرمين وأول القبلتين ومسري الرسول في يد اليهود أحقر الخلق ... لذلك نصرخ الأقصي في خطر ... عار علينا ... عار علينا أبعد كل هذه التضحيات التي بذلها الصحابة من أجل ضم الأقصي إلي أحضان الإسلام .. بعد كل هذه التضحيات نسلمه ونتركه لليهود عار علينا عار لا تغسله كلماتنا الفارغة من أي مضمون وأي عمل ... الأقصي في خطرأنترك المقدسيين يدافعون عن الأقصي وحدهم بصدورهم العارية ؟؟القدس ليست قضية المقدسيين وحدهم ... القدس ليست قضية الفلسطينين وحدهم... القدس قضية كل مسلم ... لذلك نصرخ يا مسلمون ... ياربع سكان العالم مقدساتكم في خطر ... قدسكم في خطر ...أقصاكم في خطرأيضيع الأقصي ويهدم وأنتم أحياء؟؟؟

السبت، 13 مارس، 2010

كرامة وطن أم كرامة مواطن
كلنا مع الدكتور طه عبد التواب ومع كل حر يدافع عن حرية هذا الوطن

الأربعاء، 6 يناير، 2010

الأمل أكسير الحياة

أيها الحبيب،تأمل معي: ما الذي يدفع الزارع إلى الكدح والعرق؟إنه أمله في الحصاد، وما الذي يغري التاجر بالأسفار والمخاطر ومفارقة الأهل والأوطان؟إنه أمله في الربح، وما الذي يدفع الطالب إلى الجد والمثابرة والسهر والمذاكرة ؟ إنه أمله في النجاح، وما الذي يحفز الجندي إلى الاستبسال في القتال والصبر على قسوة الحرب ؟إنه أمله في النصر، وما الذي يحبب إلى المريض الدواء المر ؟ إنه أمله في العافية، وما الذي يدعو المؤمن أن يخالف هواه ويطيع ربه ؟ إنه أمله في رضوان ربه وجنته.
الأمل ـ إذاً ـ قوة دافعة تشرح الصدر للعمل، وتخلق دواعي الكفاح من أجل الواجب، وتبعث النشاط في الروح والبدن، وتدفع الكسول إلى الجد، والمجد إلى المداومة على جده، كما أنه يدفع المخفق إلى تكرار المحاولة حتى ينجح، ويحفز الناجح إلى مضاعفة الجهد ليزداد نجاحه. إن الأمل الذي نتحدث عنه هنا ضد اليأس والقنوط ، إنه يحمل معنى البشر وحسن الظن ، بينما اليأس معول الهدم الذي يحطم في النفس بواعث العمل. ويُوهي في الجسد دواعي القوة ؛ ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: " الهلاك في اثنتين: القنوط والعُجب "... والقنوط هو اليأس، والعجب هو الإعجاب بالنفس والغرور بما قدمته. قال الإمام الغزالي: " إنما جمع بينهما: لأن السعادة لا تنال إلا بالسعي والطلب، والجد والتشمير، والقانط لا يسعى ولا يطلب، لأن ما يطلبه مستحيل في نظره".
الإيمان يبعث في النفس الأمل:
نعم هذه حقيقة وواقع مشاهد أن الإيمان يبعث في النفس الأمل ويدفع عنها اليأس والأسى.فالمؤمن الحق يرى أن الأمور كلها بيد الله تعالى فيحسن ظنه بربه ويرجو ما عنده من خير وأمام عينيه قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل: " أنا عند ظن عبدي بي ..".
كيف يتطرق اليأس إلى نفس المؤمن وهو يقرأ قول الله تعالى : ( ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون)؟.
أم كيف يتمكن منه قنوط وهو يردد كلما قرأ القرآن قوله تعالى : ( ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون)؟.
إن العبد حين يكون مؤمنا حقا فإنه لن ييأس بل سيكون دائما مستبشرا راضيا متطلعا للأحسن في كل الأمور أصابه في طريقه ما أصابه وقد قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: " عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير؛إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له". فهو في كل الأحوال موعود بالخير فكيف ييأس؟.
إنه ومن خلال إيمانه يستشعر أن الله عز وجل معه وهو ناصره وكافيه وبناء على ذلك فهو إذا مرض رجا العافية والأجر: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ). ( الشعراء:80).
وإذا ضعفت نفسه في وقت من الأوقات فوقع في معصية سارع بالتوبة راجيا عفو الله ورحمته واضعا نصب عينيه قوله تعالى:
(قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر: 53).
وإذا أصابه ضيق او عسر أيقن أنها شدة عما قريب ستنجلي فلن يغلب عسر يسرين: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا).
إن المؤمن في كل أحواله صاحب أمل كبير في روح الله وفرجه ومعيته ونصره ؛ لأنه لا يقف عند الأسباب الظاهرة فحسب، بل يتعداها موقنا أن لها خالقا ومسببا وهو الذي بيده ملكوت كل شيء وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون،فيمتلىء قلبه توكلا ورجاء وأملا. وهذا ما يفتقده غير المؤمنين؛لذلك تراهم ينتحرون ويصابون بالعقد والأمراض النفسية الكثيرة،نسأل الله العافية.
ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل
الأمل لابد منه لتحقيق التقدم في كل المجالات ، فلولا الأمل ما شيدت الحضارات ولا تقدمت العلوم والاختراعات ،ولا نهضت الأمم من كبوات تصيبها ،ولا سرت دعوة إصلاح في المجتمعات،وقديما قال بعض الحكماء:
لولا الأمل ما بنى بان بنيانا،ولا غرس غارس غرسا.
وفي هذا المعنى قال الشاعر:
أعلل النفس بالآمال أرقبها ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل
وقال الطغرائي (الوزير الشاعر):
ولا تيأسنْ من صنـع ربك إنه ضمين بأن الله سوف يُديـل
فإن الليـالي إذ يـزول نعيمها تبشـر أن النـائبات تـزول
ألم تر أن الليـل بعد ظلامـه عليه لإسـفار الصبـاح دليل
ألم تر أن الشمس بعد كسوفها لها صفحة تغشي العيون صقيل
وأن الهلال النضو يقمر بعدما بدا وهو شخت الجانبين ضئيل
فيا أيها المؤمن كن حسن الظن بربك مؤملا منه الخير والنصر والفرج،فإن ابتليت فاصبر واعلم أن العسر لو دخل جحرا لتبعه اليسر، فكن صبورا مقداما واستعن بالله ولا تعجز :
لا خير في اليأس كل الخير في الأمل أصل الشجاعة والإقدام في الرجل

حسن الظن راحة للبال

ليس أريح لقلب العبد في هذه الحياة ولا أسعد لنفسه من حسن الظن، فبه يسلم من أذى الخواطر المقلقة التي تؤذي النفس، وتكدر البال، وتتعب الجسد.
إن حسن الظن يؤدي إلى سلامة الصدر وتدعيم روابط الألفة والمحبة بين أبناء المجتمع، فلا تحمل الصدور غلاًّ ولا حقدًا ، امتثالاً لقوله صلى الله عليه وسلم: "إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا...".
وإذا كان أبناء المجتمع بهذه الصورة المشرقة فإن أعداءهم لا يطمعون فيهم أبدًا، ولن يستطيعوا أن يتبعوا معهم سياستهم المعروفة: فرِّق تَسُد ؛ لأن القلوب متآلفة، والنفوس صافية.
من الأسباب المعينة على حُسن الظن:
هناك العديد من الأسباب التي تعين المسلم على إحسان الظن بالآخرين، ومن هذه الأسباب:
1) الدعاء:
فإنه باب كل خير، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل ربه أن يرزقه قلبًا سليمًا.
2) إنزال النفس منزلة الغير:
فلو أن كل واحد منا عند صدور فعل أو قول من أخيه وضع نفسه مكانه لحمله ذلك على إحسان الظن بالآخرين، وقد وجه الله عباده لهذا المعنى حين قال سبحانه: {لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً} [النور:12]. وأشعر الله عباده المؤمنين أنهم كيان واحد ، حتى إن الواحد حين يلقى أخاه ويسلم عليه فكأنما يسلم على نفسه: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ} [النور:61].
3) حمل الكلام على أحسن المحامل:
هكذا كان دأب السلف رضي الله عنهم. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لا تظن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن شرًّا، وأنت تجد لها في الخير محملاً".
وانظر إلى الإمام الشافعي رحمه الله حين مرض وأتاه بعض إخوانه يعوده، فقال للشافعي: قوى لله ضعفك، قال الشافعي: لو قوى ضعفي لقتلني ، قال: والله ما أردت إلا الخير. فقال الإمام: أعلم أنك لو سببتني ما أردت إلا الخير.فهكذا تكون الأخوة الحقيقية إحسان الظن بالإخوان حتى فيما يظهر أنه لا يحتمل وجها من أوجه الخير.
4) التماس الأعذار للآخرين:
فعند صدور قول أو فعل يسبب لك ضيقًا أو حزنًا حاول التماس الأعذار، واستحضر حال الصالحين الذين كانوا يحسنون الظن ويلتمسون المعاذير حتى قالوا: التمس لأخيك سبعين عذراً.
وقال ابن سيرين رحمه الله: إذا بلغك عن أخيك شيء فالتمس له عذرًا ، فإن لم تجد فقل: لعل له عذرًا لا أعرفه.
إنك حين تجتهد في التماس الأعذار ستريح نفسك من عناء الظن السيئ وستتجنب الإكثار من اللوم لإخوانك:
تأن ولا تعجل بلومك صاحبًا .. ... .. لعل له عذرًا وأنت تلوم
5) تجنب الحكم على النيات:
وهذا من أعظم أسباب حسن الظن؛ حيث يترك العبد السرائر إلى الذي يعلمها وحده سبحانه، والله لم يأمرنا بشق الصدور، ولنتجنب الظن السيئ.
6) استحضار آفات سوء الظن:
فمن ساء ظنه بالناس كان في تعب وهم لا ينقضي فضلاً عن خسارته لكل من يخالطه حتى أقرب الناس إليه ؛ إذ من عادة الناس الخطأ ولو من غير قصد ، ثم إن من آفات سوء الظن أنه يحمل صاحبه على اتهام الآخرين ، مع إحسان الظن بنفسه، وهو نوع من تزكية النفس التي نهى الله عنها في كتابه: {فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [النجم:32].
وأنكر سبحانه على اليهود هذا المسلك: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} [النساء:49].
إن إحسان الظن بالناس يحتاج إلى كثير من مجاهدة النفس لحملها على ذلك، خاصة وأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، ولا يكاد يفتر عن التفريق بين المؤمنين والتحريش بينهم، وأعظم أسباب قطع الطريق على الشيطان هو إحسان الظن بالمسلمين.
رزقنا الله قلوبًا سليمة، وأعاننا على إحسان الظن بإخواننا، والحمد لله رب العالمين
نعني بالطيبة سلامة الصدر، وصفاء النفس، ورقّة القلب...، ويتأصل هذا الخلق باستمرار التزكية للنفس، ثم تنعكس آثاره على السلوك : أخوةً وسماحةً وسكينةً ووفاءً.. والذين يفتقدون هذا الخلق ، تراهم غارقين في صور من التحايل والكيد ، وسوء الظن والخبث...
ومعنى ( الطيّب ) في اللغة : الطاهر والنظيف، والحسن والعفيف، والسهل واللين ، وذو الأمن والخير الكثير، والذي لا خبث فيه ولا غدر..
ومن هذه المعاني نفهم المراد بالرجل الطيّب ، والزوجة الطيبة ، والبلدة الطيبة ، والقول الطيب، والذرية الطيبة ، والريح الطيبة ، والحياة الطيبة.. وكلها معاني طهرٍ وعفة وصفاء ونقاء ، وهذا حال صاحب خلق ( الطيبة ).
إن الله عز وجل حين خلق بني آدم " جعل منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك ، والسهل والحَزْن وبين ذلك ، والخبيث والطيب وبين ذلك ". (رواه أحمد وصححه الألباني) ولا يستوي الخبيث والطيب، ولا يأتلف كل واحدٍ إلا مع قرينه وشبيهه.
وحرصا من النبي صلى الله عليه وسلم على اعتزاز المؤمن بالطيبة ، نهاه أن ينسب الخبث إلى نفسه ، فقال: " لا يقولن أحدكم خبثت نفسي.." (الحديث، رواه البخاري) ويورد بن حجر قول ابن أبي جمرة في بيان الحكمة من هذا النهي ، فيقول [.. وفيه أن المرء يطلب الخير حتى بالفأل الحسن ، ويضيف الخير إلى نفسه ولو بنسبة ما، ويدفع الشر عن نفسه مهما أمكن، ويقطع الوصلة بينه وبين أهل الشر حتى في الألفاظ المشتركة].ولقد شبه النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن الذي يقرأ القرآن بثمرة ( الأُتْرُجَّة ) : " طعمها طيب وريحها طيب" وضرب للمؤمن مثلا آخر ، فقال: " .. والذي نفس محمد بيده! إن مثل المؤمن لكمثل النحلة ، أكلت طيبا ، ووضعت طيبا..". (رواه أحمد بإسناد قوي).
وكلها تؤكد على أصالة عنصر الطيبة في نفسية المؤمن، وسمة الخيرية في تعامله.
والرجل الطيب، قد يختلف حاله..فيكون أحيانا أكثر انشراحا، وأحسن بشاشة .. تبعا لما يمر به من أقدار ، وقد لاحظ الصحابة رضي الله عنهم ذلك مرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال بعضهم: " نراك اليوم طيب النفس ، فقال : أجل . والحمد لله. ثم أفاض القوم في ذكر الغنى . فقال : لا بأس بالغنى لمن اتقى ، الصحة لمن اتقى خير من الغنى ، وطيب النفس من النعيم". ( صحيح سنن ابن ماجة).
والعبادة صورة يومية من صور جلاء القلب، وتصفية النفس من كل خبث، ويؤكد هذا المعنى ما رواه البخاري ، من أن الشيطان يعقد على قافية النائم ثلاث عقد ، قائلا له : " عليك ليل طويل فارقد ، فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة ، فإن صلى انحلت عقده كلها، فأصبح نشيطا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان." يقول ابن حجر : " قوله : طيب النفس. أي لسروره بما وفقه الله له من الطاعة، وبما وعده من الثواب ، وبما أزال عنه من عقد الشيطان . كذا قيل. والذي يظهر أن في صلاة الليل سرا في طيب النفس...".
وما جعل الله مواطن البلاء إلا للتمحيص والتمييز ، كما قال تعالى : ( مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ )(آل عمران: من الآية179)
وفي ظلال الآية : أن دور الأمة المسلمة [ يقتضي التجرد والصفاء ، والتميز والتماسك .. وكل هذا يقتضي أن يصهر الصف؛ ليخرج منه الخبث..ومن ثم كان شأن الله ـ سبحانه ـ أن يميز الخبيث من الطيب] . وتجري سنة الله في أن الزبد يذهب جفاء ، وأن ما ينفع الناس يمكث في الأرض.
إن المؤمن الطيب رجل متورع عن الشبهات ، ولقد كان أبو طلحة في مرض له ينزع غطاء فراشه ؛ لما عليه من نقوش؛ فلما اعتُرض عليه بأنه ليس في الغطاء تصاوير منهي عنها ، أجاب : " بلى . ولكنه أطيب لنفسي" .
والمؤمن الطيب يحافظ على صفاء الود مع أخيه ، كما في الحديث القدسي: " وحقت محبتي للذين يتصافون من أجلي"
ويبادر إلى زيارة أخيه المسلم، أو عيادته ، فيقول الله له : "طبت وطاب ممشاك ، وتبوأت من الجنة منزلا" . فالتصافي والتواصل علامة طيبة، ولا يتخلق بها إلا الطيب.
والمجاهد الطيب لا يطمئن قلبه بالقعود حين يُستنفر الناس، ولذلك وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسية صحابته الكرام ـ لو أنه خرج في كل سرية ـ فقال: " ولا تطيب أنفسهم أن يقعدوا بعدي".(رواه مسلم).
ولذلك كان المنافقون ـ لما في نفوسهم من الخبث ـ لا يتحرجون من أن يتعللوا بأعذار واهية ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مع صحابته في الحر والنصب ، والمنازلة والطعان.
وتطييب قلوب عباد الله من علامات طيب القلب، فقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين يؤدون إلى الناس حقوقهم ـ وافية زائدة ـ بقوله : " أولئك خيار عباد الله عند الله يوم القيامة : الموفون المطيّبون". (رواه أحمد).
وأقصر طريق إلى القلوب بالكلمة الطيبة :" اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم يكن فبكلمة طيبة ". وقد وصف الله الصالحين من عباده بقوله: (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ) (الحج:24). وإن الملائكة لتستقبل أرواح الطيبين: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (النحل:32)
وقد قال صلى الله عليه وسلم: " الميت تحضره الملائكة ، فإذا كان الرجل صالحا قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة ، وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان ، فلا يزال يقال لها حتى تخرج، ثم يُعرج بها إلى السماء ، فيُفتح لها ، فيقال : من هذا؟ فيقولون: فلان. فيقال: مرحبا بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب ، ادخلي حميدة ، وأبشري بروح وريحان ، ورب غير غضبان. فلا يزال يقال لها ذلك ، حتى يُنتهى بها إلى السماء التي فيها الله عز وجل . وإذا كان الرجل السوء قال : اخرجي أيتها النفس الخبيثة ، كانت في الجسد الخبيث. اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغساق، وآخر من شكله أزواج، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يُعرج إلى السماء ، فلا يُفتح لها ، فيقال : من هذا؟ فيقال: فلان، فيقال : لا مرحبا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة ، فإنها لا تُفتح لك أبواب السماء ، فيُرسل بها من السماء ثم تصير إلى القبر". (صحيح سنن ابن ماجة).
وعلى أبواب الجنة يقال لأهل الطيبة: (سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ). (الزمر: من الآية73) بعد أن أحياهم الله الحياة الطيبة في الدنيا بالإيمان والعمل الصالح.
إن غلبة التعامل بالطيبة، ونقاء المجتمع من الخبث، حصانة من غضب الله وانتقامه، ولذلك تساءلت زينب بنت جحش : " أفنهلكُ وفينا الصالحون؟" فأجابها رسول الله صلى الله عليه وسلم :" نعم إذا كثر الخبث". ( البخاري).
قال ابن العربي: [ وفيه البيان بأن الخيّر يهلك بهلاك الشرير، إذا لم يغير عليه خبثه].إن العبد الطيب نقي القلب، سليم السريرة ، حسن الظن بالناس..ومن دعائه صلى الله عليه وسلم : " ونق قلبي من الخطايا ، كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس". ( البخاري). ولا يغرنّك ما يلصقه الخبثاء بالطيبين: من صفات الغفلة ، وضعف العقل ، وقلة الحيلة ، والهوان على الناس..فلأن تكون مقبولا عند الله خير لك من أوسمة الدهاء والحيلة والخبث

التضرع الى الله سبب السعادة


إن الإنسان لا يستغني عن ربه طرفة عين ولا أقل من ذلك، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يردد كثيرا: " يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدا".وإذا رجعنا إلى المعنى اللغوي للتضرع لوجدناه يدو ر حول الطلب بذل وخضوع واستكانة، ومادة ضرع تدل على لينٍ في الشيء، ومن هذا الباب ضرع الشاة، فلو نظرت إلى صغير الحيوان حين يلتقم ثدي أمه ، فيلح ويرتفع وينخفض ويجتهد بكل قوته كي يجذب هذا اللبن الذي به حياته لعرفت مدى الارتباط بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي للتضرع فالتضرع هو دعاء الله وسؤاله بذل وخشوع وإظهار للفقر والمسكنة، وهذا الحالة يحبها ربنا ويرضاها، بل أمر عباده بها:
(ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (الأعراف:55)
يأخذ عباده بالبأساء والضراء ليتضرعوا.
إن من أعظم أسباب دفع البلاء تضرع العبد لربه جل وعلا كما بيّن الله في كتابه الكريم: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأنعام:43،42) )
فالغاية من أخذ العباد بالبأساء والضراء أن يضرعوا إلى الله.
إن العباد قد يغفلون في أوقات الرخاء عن هذه العبادة الجليلة لكن لا ينبغي أن يغفلوا عنها في أوقات البلاء والمحنة ولو أنهم غفلوا في الحالين لعرضوا أنفسهم لعقوبة الله: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام: 44،45)
ولقد أخبر الله تعالى عن أقوام ابتلاهم وتوعدهم بالعذاب فاستكان بعضهم وتضرع إلى الله فكشف الله عنهم عذاب الدنيا، وأخبر عن آخرين ابتلاهم وتوعدهم لكنهم تكبروا وتجبروا وما استكانوا ولا تضرعوا فأخذهم العذاب.
أما الأولون الذين تضرعوا فمنهم قوم يونس عليه السلام الذين قال الله عنهم: (فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ) (يونس:98)
وقد ذكر بعض المفسرين أن قوم يونس خرجوا إلى الطرقات واصطحبوا نساءهم وأطفالهم ودوابهم ودعوا وجأروا إلى الله، وقيل : إنهم ظلوا على هذه الحالة أياما يدعون ويستغيثون ويتضرعون ويبكون فكشف الله عنهم عذاب الدنيا منةً منه وفضلا.
أما الآخرون الذين لم يظهروا الفقر والضراعة فقد قال عنهم: (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ* حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ) (المؤمنون: 76،77)
الرسول صلى الله عليه وسلم سيد المتضرعين:
لقد كانت حياة رسولنا صلى الله عليه وسلم كلها لله، وقد عرض عليه ربه أن يجعل له بطحاء مكة ذهبا فقال صلى الله عليه وسلم: " لا يا رب، ولكن أشبع يوما، وأجوع يوما. فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك."
وقد رأيناه صلى الله عليه وسلم في كل أحواله متضرعا خاشعا متذللا لربه تبارك وتعالى.
في الاستسقاء:
خرج متبذلا متواضعا متضرعا حتى أتى المصلى فلم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير وصلى ركعتين كما كان يصلي في العيد.
وعند رمي الجمار:
فإنه صلى الله عليه وسلم كان يرمي الجمار في أيام التشريق إذا زالت الشمس، ويكبر مع كل حصاة، فإذا رمى الأولى وقف يدعوا ويتضرع، وكذا بعد الثانية، أما الثالثة فلم يكن يقف عندها.
وفي الجهاد:
رأيناه يتضرع ويدعو في بدر ويستنصر ربه حتى أنزل الله المدد: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ) (الأنفال:9)
وفي يوم الأحزاب:
دعا ربه وتضرع حتى صرف الله عن المسلمين الشر وكفاهم كيد أعدائهم.
وعند الكرب:
يذكر ربه ويذل له ويدعوه:
" لا إله إلا الله العليم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات والأرض ورب العرش الكريم."
وهكذا كان في كل أحواله صلى الله عليه وسلم وهكذا تعلم منه أصحابه وعلموا مَنْ بعدهم.
نسأل الله أن يجعلنا أفقر خلقه إليه، وأغناهم به عمن سواه
.